محمد بن زكريا الرازي
74
الحاوي في الطب
لم أسخنه بعد ، والكبريت - لأنه لطيف الأجزاء وليس من جنس الحجارة - ينفع جراحات العصب ، يخلط معه من الزيت بمقدار ما يصير له الجميع في ثخن وسخ الحمام ، فإن أنت عالجت بهذا الدواء بدنا صلبا فاجعله أثخن ، وقد خلطت لهذه العلة أيضا نورة مغسولة بزيت فنفع ، وأنفع ما تكون النورة إذا غسلت بماء البحر في الصيف الحار ، وإن غسلتها غسلات كان أجود وأنفع ، وقد عم الناس استعمال الدواء الذي ألفته واستعملته وهو مركب من شمع وراتينج وفربيون وزيت والعلك والزفت من كل واحد نصف جزء ومن الشمع جزء ، وإن لم يتهيأ علك البطم فاجعل مكانه راتينجا . فأما الفربيون فليكن نصف سدس الشمع ، ومتى أردته أقوى فأكثر قليلا ، فإن كان العلك يابسا قويا بمنزلة العلك المطبوخ فإنه يكفيه حينئذ شيء يسير من الزيت . وصفة هذا الدواء مكتوبة في المراهم . وبالجملة فمداواة العصبة التي يصيبها نخس ووجبة أو ينتقص اتصالها بأي ضرب كان ، يجب أن يكون أدويتها تحدث حرارة فاترة وتجفف تجفيفا غاية التجفيف ويكون جوهرها حادثا لطيف الأجزاء . ويجب أن تزيد في قوة الدواء وتنقص منه وتبقيه على حاله بقدر ما تروم أمره إذا حللته كل مرة . فإن رجلا من الأطباء قد كان داوى بمرهمي - مرهم الفربيون - النخس الواقع بالعصب مرات فأنجح ثم إنه داوى به رجلا فلم ينجح وحدث بالعضو وجع وورم ، فسألت العليل : هل أحس في اليوم الذي وضع عليه مرهم بمس حرارة شبيهة بحرارة شمس لينة ؟ فذكر : أنه لم يجد ذلك . وسألت الطبيب فإذا هو قد اتخذ منه أرجح من سنة وكان الذين داواهم به صبيانا وشبانا ، وفكرت في هذا أن الفربيون ناقص عما ينبغي ، فزدت في مقداره ووسعت فم الجرح لأنه كان ضيقا وعرقت العضو بالزيت اللطيف الذي لا قبض معه وأمرت أن يحل بالعشي وأن يعالج بالزيت اللطيف الذي لا قبض معه الذي عالجته به مع الدواء ، وأمرت العليل أن يمسك عن الطعام ، فلما فعل ذلك أصبح العليل وقد سكن الوجع عنه وتبرد الورم ، فإن كان الخرق الواقع بالعصب ليس يحسه بل هو خرق فانظر : أهو ذاهب في عرض العصبة أو في طولها ؟ وكم مقدار ما اخرق من الجلد الذي يعلوها ؟ وانظر إن الجلد قد انخرق خرقا بينا حتى أن العصبة بقيت مكشوفة وخرقها بالطول فليس يجب أن تقرب هذه العصبة شيئا من الأدوية التي تتخذ بالفربيون وأمثاله ، لأن العصبة لا تحتمل قوة هذه الأدوية وهي مكشوفة كما كانت تحتملها عندما كان بينها وبين الجلد ، والأجود هاهنا أن تعجن النورة المغسولة بزيت كثيرا وعالجها ، والدواء المتخذ بالتوتيا جيد في مثل هذا الموضع متى ديف بدهن ورد يخلط به ملح ، وجملة غرضك في مداواة العصبة المكشوفة أن تجففها تجفيفا لا لذع معه ، وأجود ما يكون منها النورة إذا غسلت مرات كثيرة بماء عذب في وقت واحد ، والتوتيا إذا فعل به ذلك لأنه يسلخ حدتها في الماء ، والمرهم المتخذ بالعسل ويجب أن يكون شمعه مغسولا ودهن ورد لا ملح فيه . وإن وقع في هذه الأدوية علك فليكن معتدلا . وإن كان العليل نقي البدن أمكن أن يداوى بالأدوية المغسولة المقوية ، فإني داويت شابا معتدل الطبع إلا أنه كان عرض لبدنه احتراق من الشمس كان قد عرض له خرق واسع